أبو الليث السمرقندي
54
تفسير السمرقندي ( تفسير بحر العلوم )
ثم قال تعالى : وَإِذْ قُلْتُمْ يا مُوسى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ ، أي لن نصدقك حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً أي عيانا ، وذلك أن موسى - عليه السلام - حين انطلق إلى طور سيناء للمناجاة ، اختار موسى من قومه سبعين رجلا ، فلما انتهوا إلى الجبل أمرهم موسى بأن يمكثوا في أسفل الجبل ، وصعد موسى - عليه السلام - فناجى ربه فأعطاه اللّه الألواح ، فلما رجع إليهم قالوا له : إنك قد رأيت اللّه فأرناه حتى ننظر إليه ، فقال لهم : إني لم أره ، وقد سألته أن أنظر إليه ، فتجلى للجبل ، فدك الجبل ، فلم يصدقوه وقالوا : لن نصدقك حتى نرى اللّه جهرة . فأخذتهم الصاعقة فماتوا كلهم ، فدعا موسى ربه فأحياهم اللّه تعالى ، فذلك قوله عز وجل : فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ إلى الصاعقة . ثُمَّ بَعَثْناكُمْ مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ ، يقول أحييناكم من بعد هلاككم لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ للحياة بعد الموت . [ سورة البقرة ( 2 ) : آية 57 ] وَظَلَّلْنا عَلَيْكُمُ الْغَمامَ وَأَنْزَلْنا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوى كُلُوا مِنْ طَيِّباتِ ما رَزَقْناكُمْ وَما ظَلَمُونا وَلكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ ( 57 ) وَظَلَّلْنا عَلَيْكُمُ الْغَمامَ ، إنما خاطبهم وأراد به آباءهم وهم قوم موسى - عليه السلام - حيث أمروا بأن يدخلوا مدينة الجبارين ، فأبوا ذلك وقالوا لموسى : فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقاتِلا إِنَّا هاهُنا قاعِدُونَ [ المائدة : 24 ] ، فعاقبهم اللّه - عز وجل - فبقوا في التيه أربعين سنة ، وكانت المفازة اثني عشر فرسخا ، وكان يؤذيهم حر الشمس فظلل عليهم الغمام ، فذلك قوله تعالى : وَظَلَّلْنا عَلَيْكُمُ الْغَمامَ وهو السحاب الأبيض ، يقيكم حر الشمس في التيه ، وكان لهم في التيه عمود من نور مد لهم من السماء فيسير معهم من الليل مكان القمر . فأصابهم الجوع فسألوا موسى فدعا اللّه فأنزل عليهم المن وهو الترنجبين كان يتساقط عليهم كل غداة ، فيأخذ كل إنسان منهم ما يكفيه يومه وليلته ، فإن أخذ أكثر من ذلك دود ذلك الزائد وفسد ؛ وإذا كان يوم الجمعة أخذ كل إنسان منهم مقدار ما يكفيه يومين ، لأنه لا يأتيهم يوم السبت ، وكان ذلك مثل الشهد المعجون بالسمن فأجموا من المن ، أي ملوا من أكله . فقالوا لموسى - عليه السلام - : قتلنا هذا المن بحلاوته وأحرق بطوننا ، فادع لنا ربك أن يطعمنا لحما . فدعا لهم موسى - عليه السلام - فبعث اللّه لهم طيرا كثيرا فذلك قوله تعالى : وَأَنْزَلْنا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوى ، وهو السماني وهو طير يضرب إلى الحمرة . وقال بعضهم : كان طيرا يأتيهم مشويا . قال عامة المفسرين إنهم كانوا يأخذونها ويذبحونها . كُلُوا مِنْ طَيِّباتِ ، أي قيل لهم كلوا من طيبات ، وهذا من المضمرات ، وفي كلام العرب يضمر الشيء إذا كان يستغنى عن إظهاره ، كما قال في آية أخرى فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمانِكُمْ [ آل عمران : 106 ] ، يعني يقال لهم أكفرتم ؛ وكما قال في آية أخرى :